وبعد شهر من الولادة خرج التوأمان من المستشفى ووافقت الأسرة على السعي لفصلهما إذا كان ذلك ممكنا.
عرض مستشفى عسكري إجراء العملية ولكن رجح مسؤولوه أن تموت إحدى البنتين جراء ذلك فرفضت الأم المجازفة بأي منهما.
وجرى
بحث خيارات أخرى، وحين بلغت البنتان من العمر ثلاثة أشهر أتيح للأسرة
الإتصال بجراح أعصاب الأطفال أويس جيلاني الذي يعمل بأحد أشهر مستشفيات الأطفال في العالم، مستشفى غريت أورموند ستريت في لندن.
وكانت المصادفة أن جيلاني نفسه من مواليد كشمير القريبة من مسقط رأس الأسرة وقد وجد ما يجمعه بالطفلتين.
وبعد الاطلاع على صور الأشعة للطفلتين رأى الجراح إمكانية فصلهما بأمان على أن
تجرى العملية قبل عامهما الأول للحصول على أفضل النتائج.
حينها بدأ السباق مع الزمن.
قبل
أغسطس/آب 2018 حصلت الأسرة على تأشيرات دخول المملكة المتحدة ولكن لم يتوفر لهم بعد التمويل اللازم للعمليات التي تجرى على نفقة المريض ولا
يتكفل بها التأمين الصحي البريطاني، ولم يكن جيلاني قد تمكن إلا من جمع
القليل من المال المطلوب لتسديد التكاليف الطبية.
بلغت
البنتان 19 شهرا من العمر أي أكثر بكثير من السن الذي يحبذه المستشفى
لإجراء العملية. ولو تأخر الوقت أكثر من ذلك فقد يصبح الفصل أشد خطورة
وتتدنى فرص التعافي لاحقا.
وبالتالي نصح جيلاني الأسرة بالقدوم فورا إلى إنجلترا.
يتذكر الطبيب لحظة وصول الأسرة فيقول: "وصلوا في مطلع أغسطس/آب ولم يكن لدينا سوى القليل من المال المطلوب. وصلت الطفلتان وكنت متوترا إذ شعرت بمسؤولية شخصية تجاههما".
تم توفير إقامة لخال
البنتين محمد إدريس، وجدهما، بشقة قرب المستشفى؛ أما زينب فآثرت البقاء
بجانب طفلتيها والنوم في نفس الغرفة بالمستشفى.
تؤكد الأم أن لكل بنت شخصيتها المختلفة عن الأخرى وإن التصقتا بالرأس.
تقول: "صفا ذكية وسعيدة وتحب الكلام" بينما مروة خجولة "تفضل أن تناجي نفسها وإن كلمناها قد لا ترد".
وبعد
وصول الأسرة باسبوع، وبينما كان جيلاني يتناول الغداء مع صديقة له تعمل محامية حدث شيء غير متوقع قلب موازين الأمور. بينما كان يقص عليها حكاية
التوأمين وإذ بالمحامية ترفع هاتفها وتجري اتصالا.
أعطت
المحامية السماعة لصديقها الجراح وطلبت منه أن يخبر من على الجانب الآخر من
الخط عن البنتين، وكان المستمع هو رجل أعمال باكستاني ثري يدعى مرتضى لاخاني، وخلال دقائق معدودة تم التبرع بسداد تكاليف العلاج.
يقول لاخاني "البنتان من باكستان وهي بلدي الأصلي، ولكن سبب عرضي المساعدة
في الواقع هو أن تلك العملية ستنقذ حياة طفلتين. لم أفكر كثيرا في الأمر
فالأطفال هم المستقبل".
تنتج حالة التوائم الملتصقة من تلقيح بويضة واحدة وبالتالي يكون التوأمان متماثلين.
وثمة نظريتان لسبب الالتصاق – إما أن انفصال أحد الجنينين عن الآخر حدث متأخرا فظل أحد التوأمين ملتصقا بالآخر جزئيا، أو حدث الانفصال فعلا في
الرحم ثم لقرب الجنينين التصق التوأمان واندمج بجزء من جسم الآخر مع النمو.
وحين تحدث تلك الحالة فعادة ما يكون الالتصاق عند الصدر أو البطن أو الحوض.
ولكن
حالة صفا ومروة وضعت أطباء مستشفى غريت أورموند أمام تحديات عديدة، فالبنتان ملتصقتان من قمة رأسيهما بينما يتجه جسداهما في اتجاهين متضادين.
وبالتالي لم تر الواحدة وجه الأخرى.
اتخذت جمجمتيهما شكلا أنبوبيا، وأظهرت الأشعة تمايز مخ إحداهما عن الأخرى وإن كان شكل المخ مشوها، فالنصف الأيمن لكل من المخين بارز
بزاوية قائمة باتجاه التجويف الدماغي للتوأم المقابل.
وبالتالي يلزم ترميم الرأس ليكون أقرب ما يكون للطبيعي.
لا تتوافر أرقام رسمية عن مدى شيوع حالات الالتصاق بالرأس، ولكن يشير أحد التقديرات إلى حالة واحدة بين كل 2,5 مليون ولادة، وأغلبها
لا تقوى على الحياة لأكثر من 24 ساعة.
الساعة 08:00 صباح الاثنين الخامس عشر من أكتوبر/تشرين الأول 2018 وقد تجمع فريق من نحو عشرين فردا في صالة العمليات رقم 10 بمستشفى غريت أورموند ستريت. يقوم كل فرد بالفريق بتعريف نفسه والدور الذي يتولاه.
يقول جيلاني: "لدينا حالة واحدة اليوم. صفا ومروة، حالة واحدة وطفلتان".
بخطى بطيئة ستبدأ رحلة التوأمين نحو الاستقلال.
هدف الجراحة الراهنة – وهي الأولى من ثلاث عمليات رئيسية – هو فصل الشرايين المشتركة للتوأمين.
وتعتبر كل من هذه الحالات حالة فريدة، ولم تجر إلا 60 محاولة لفصل توائم ملتصقة بالرأس منذ عام 1952، تاريخ أول محاولة.
يعتقد جيلاني أن العالم يشهد قرابة ست حالات ولادة توائم ملتصقة بالرأس سنويا قد ينجح فصلها.
ويعد
مستشفى غريت أورموند ستريت رائدا في هذا النوع من الجراحات، وستكون حالة
صفا ومروة ثالث حالة توائم ملتصقة بالرأس يتعامل معها المستشفى، وهو عدد أكبر من أي مركز آخر في العالم. ويدرك الفريق الجراحي من خبرته أن أفضل
النتائج تتحقق حين يجري الفصل على مراحل خلال عمليات عدة ما يسمح بالتعافي بعد كل عملية.
وفضلا عن الجراحين وطاقم التمريض يضم الفريق المشارك في رعاية التوأمين وعملية الفصل بينهما بمستشفى غريت أورموند
ستريت نحو 100 شخص منهم متخصصون بالهندسة الحيوية فنيون في مجال التطبيقات ثلاثية الأبعاد فضلا عن مصمم لتصور مراحل الواقع الافتراضي للحالة.
وتمثلت
الصعوبة الكبرى بالنسبة لفريق الجراحة في كيفية فصل الشبكة المعقدة المشتركة من الأوردة والشرايين، ومن خلالها يمد كل توائم الآخر بالدم.
وهناك مخاطرة كبيرة بقطع تلك الإتصالات بما يحرم المخ من إمداده ويتسبب في
سكتة دماغية.
No comments:
Post a Comment